القاضي عبد الجبار الهمذاني

522

المغني في أبواب التوحيد والعدل

شهوته عن شهوة غيره . وأما من المعلوم أنه يشتهى الأمور على أعلى الوجه في بابه ، فيجب أن يكون العوض ما يشتهيه في دار الدنيا . فإن قيل : إذا جوزتم أن يوصل تعالى العوض إلى البهيمة من جنس ما تشتهيه في الدنيا ، فما قولكم فيها إذا أضرت بالمكلف فاستحق عليها عوضا . ما الّذي ينقله تعالى من عوضها إلى المكلف . أيجب أن ينقل إليه ما تستحقه ، وهو من جنس ما تشتهيه أو لا يجوز ذلك . قيل له : إنما يلزم هذا السؤال من يقول لا تستحق من العوض إلا من جنس ما تشتهيه ، وإن كان له أن يقول إنها وإن استحقت ذلك / فالقديم تعالى ينقل ما يقوم مقامه إلى المكلف ؛ لأنه المنتصف من الظالم ، فلا بد فيما ينقله من أن ينقل على الوجه الّذي يصح عليه ، كما نقوله في المظلوم إذا كان من أهل النار أنه تعالى يجعل العوض جزءا من عقابه . وأما على هذه الطريقة التي ذكرناها ، فلا مسألة علينا فيها ؛ لأنا قد بينا أنها تستحق منافع ، وأنه يجوز أن تكون بخلاف ما تشتهيه في الشاهد . فنقله على هذا الوجه يصح إلى المكلف . وأما إذا كان المستحق للعوض مكلفا وهو من أهل الجنة ، فالحال ظاهرة في أنه تعالى يوفر عليه الأعواض مع الثواب ، فيكون ذلك من قبيل ما يشتهيه ، لأنه أعلى منازل الشهوة . وقد بينا أن انقطاعه لا يوجب تنغيصا بما لا وجه لإعادته « 1 » . وأما إذا كان من أهل النار ، فإن كان تعالى قد وفر العوض عليه قبل إدخاله النار ، فلا كلام فيه . وذلك صحيح عندنا من جهة العقل ؛ لأنه إذا كان منقطعا ، صح توفيره عليه قبله . لكن السمع قد ورد بأن ذلك لا يصل إلى الكفار في الآخرة قبل دخول النار ، وأنه لا يلحقهم منافع وسرور ؛ بل هم في غم وحزن . وإذا صح ذلك ، وأنه

--> ( 1 ) أي بينا - بما لا وجه لإعادته - أن انقطاعه لا يوجب تنغيصا .